تابع غسل الأموال

تابع غسل الأموال

الحلقة الثانية:


التطور التاريخي والتشريعي لجريمة غسل الأموال:

إن جريمة غسل الأموال لا تعد من الجرائم المستحدثة بل سبق أن مارستها من سنوات عديدة شبكات المافيا الدولية"2" حيث كان يتوفر لدى هذه العصابات أموال نقدية طائلة ناجمة عن الأنشطة غير المشروعة وفي مقدمتها المخدرات والقمار والأنشطة الإباحية في إضفاء المشروعية على مصادر أموالها عوضا عن الحاجة إلى حل مشكلة توفر النقد بين يديها ومشكلة عدم القدرة على حفظها داخل البنوك، وكان احد ابرز الطرق لتحقيق هذا الهدف شراء العقارات والممتلكات وإنشاء مشاريع جديدة ، وهو ما قام به احد اشهر قادة المافيا ( آل كابون )، والذي أحيل للمحاكمة سنة 1931 لكن ليس بتهمة غسل الأموال غير المعروفة في ذلك الوقت، وإنما بتهمة التهرب الضريبي.

وقد عاد مصطلح (غسل الأموال) للظهور مجدداً على صفحات الجرائد أثناء فضيحة (ووترجيت ) عام 1973 في الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ ذلك الوقت جرى شيوع هذا المصطلح على كافة الأنشطة التي تحاول إسباغ المشروعية على الأموال المتحصلة من مصادر غير مشروعة وذلك عن طريق إدخالها ضمن دائرة الأموال المشروعة في عملية تتخذ مراحل متعددة وأشكال عديدة تؤدي إلى إظهار المال وكأن له مصدراً مشروعاً.

وجريمة غسل الأموال لا تقف عند حد امتلاك شخص لمال غير مشروع وإدخاله في النظام المالي للدولة، بل هذا مفهومها البسيط، وهي في الحقيقة جريمة تتعدد أنماطها وتطال المسؤولية فيها مرتكبها والمساهمين فيها والمتدخلين والمنتفعين.

وقد كان أبرز مواجهة لجرائم غسل الأموال ما تضمنته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمبرمة بفيينا عام 1988 حيث تضمنت تلك الاتفاقية السبل والإجراءات لتكاتف المجتمع الدولي لمكافحة غسل الأموال.

 كما عددت الاتفاقية صور غسل الأموال وهي:

1-تحويل الأموال أو نقلها مع العلم بأنها مستمدة من جرائم المخدرات بهدف إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال أو بقصد مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب مثل هذه الجرائم.

2-إخفاء أو تمويه حقيقة الأموال أو مصدرها أو مكانها أو طريقة التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها أو ملكيتها مع العلم بأنها مستمدة من جرائم المخدرات. 

3- اكتساب أو حيازة أو استخدام الأموال مع العلم وقت تسلمها بأنها مستمدة من جريمة من الجرائم المنصوص عليها في الاتفاقية.

وتضمنت الاتفاقية النص على ضرورة أن تسن الدول التشريعات اللازمة لمواجهة الاتجار في المخدرات وغسل الأموال واتخاذ التدابير اللازمة لتجريم تلك الأفعال بما فيها تجريم كافة صور غسل الموال مع ضرورة مراعاة جسامة تلك الجرائم مما يتعين معه سن تشريعات جزائية تكون العقوبة فيها السجن أو غيره من العقوبات السالبة للحرية والغرامة المالية والمصادرة.

ولاتخاذ مزيداً من الإجراءات الفاعلة لمكافحة غسل الأموال تم تشكيل مجموعة العمل المالي الدولية "الفاتف" سنة 1989 وذلك في أعقاب اجتماع الدول الصناعية الكبرى في ذات العام، وقد قامت اللجنة بإصدار عدة تقارير سنوية وتوصيات وعقد مؤتمرات لبحث أسس السياسة المالية والرقابية لمواجهة غسل الأموال وأصدرت توصياتها الأربعين والتي تضمنت العديد من المسائل الموضوعية والإجرائية لغسل الأموال ووضع أسس مكافحة غسل الأموال.

كما تأسست في بروكسل عام 1995 مجموعة أجمونت وهي تجمعاً يضم وحدات التحريات المالية وتشمل 107 دولة من بينها ست دول عربية هي مصر والبحرين وسوريا والإمارات العربية المتحدة وقطر ولبنان ويقع على عاتق هذه الوحدات معالجة البلاغات المتعلقة بالعمليات المالية التي يشتبه بأنها عمليات غسل أموال أو تمويل إرهاب، وتم تأسيس تلك المجموعة بهدف تعزيز التعاون المشترك وتبادل المعلومات بين الوحدات المتخصصة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب "في البلدان المنضمة لتلك المجموعة ". 

ونظراً لخطورة جرائم غسل الأموال والتي باتت غير قاصرة على العائدات المتحصلة من جرائم المخدرات حيث تنوعت تلك العائدات الضخمة سواء من جرائم الاتجار في السلاح والدعارة والفساد الإداري وما لحقه من تفشي جرائم الاستيلاء على أموال البنوك، فقد تضمنت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لعام 2000 الصور والأساليب المختلفة لغسل الأموال وطرق مواجهتها والتي باتت غير قاصرة على عائدات جرائم المخدرات بل شملت كافة العائدات غير المشروعة المتحصلة من جرائم أخرى أياً كان صورها أو أشكالها خاصة التي ترتكب عن طريق الجماعات الإجرامية المنظمة، وقد نصت الاتفاقية على تجريم غسل الأموال المتحصلة من أي جريمة ولم تقصره على جرائم المخدرات، وقد حثت الاتفاقية الدول على سن تشريعات لتجريم غسل الأموال وعددت صور غسل الأموال بأنها:

1-تلك التي يتم من خلالها تحويل الممتلكات وذلك مع العلم بأن تلك الممتلكات من عائدات جريمة وبغرض إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لتلك الممتلكات أو مساعدة أي شخص ضالع في ارتكاب الجرم الأصلي والإفلات من العواقب القانونية لفعلته.

ويقصد بالممتلكات: الموجودات أيا كان نوعها سواء كانت مادية أم غير مادية منقولة أم غير منقولة ملموسة أم غير ملموسة والمستندات والصكوك القانونية التي تثبت ملكية تلك الموجودات أو وجود مصلحة فيها.

ويقصد بعائد جريمة: أي ممتلكات تتأتى أو يحصل عليها بشكل مباشر أو غير مباشر من ارتكاب جرم ما.

ويقصد بالجرم الأصلي: أي جرم تأتت منه عائدات يمكن أن تصبح موضوع لغسل الأموال.

2- إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها مع العلم بأنها عائدات جرائم.

3-اكتساب الممتلكات أو حيازتها أو استخدامها مع العلم وقت تلقيها بأنها عائدات جرائم.

4-المشاركة في ارتكاب أي من الجرائم سالفة البيان بالبنود(1، 2، 3) أو التواطؤ أو التآمر على ارتكابها ومحاولة ارتكابها والمساعدة والتحريض على ذلك وتسهيله وإبداء المشورة بشأنه.

كما حثت الاتفاقية الدول على تطبيق تلك الصور على أوسع مجموعة من الجرائم الأصلية، وتضمنت الاتفاقية التدابير اللازمة لمكافحة غسل الأموال من إنشاء أنظمة داخلية للرقابة والإشراف على المصارف والمؤسسات المالية وسائر الهيئات المعرضة بشكل خاص لغسل الأموال وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمكافحة غسل الأموال، كما تضمنت على حث الدول على تضمين تشريعاتها ما يلزم من تدابير لإرساء مسئولية الهيئات الاعتبارية عن جرائم غسل الأموال سواء بتقرير المسئولية الجنائية أو المدنية أو الإدارية وذلك دون إخلال بمسئولية الأشخاص الطبيعيين عن تلك الجرائم.

هذا وقد قامت مملكة البحرين التزاماً منها بما ورد بالاتفاقيات الدولية التي انضمت أو وقعت عليها وما تضمنته توصيات مجموعة العمل المالي"الفاتف" بإصدار تشريع خاص لمكافحة جرائم غسل الأموال وذلك بموجب المرسوم بقانون رقم(4) لسنة 2001 بشأن حظر ومكافحة غسل الأموال، والذي تم تعديله بموجب القانون رقم(54) لسنة 2006 والذي تضمن تجريم تمويل الإرهاب والنقل غير المشروع للأموال عبر الحدود.

كما انضمت مملكة البحرين إلى مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من اجل مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتم تسمية المجموعة " مينافاتف" والتي تم إنشائها في نهاية عام 2004، ولكي تعمل تلك المجموعة على غرار مجموعة العمل المالي"فاتف"وتم الاتفاق على أن تكون دولة المقر لهذه المجموعة هي مملكة البحرين، ومن أهداف تلك المجموعة "تبني وتنفيذ التوصيات الأربعين لمجموعة العمل المالي حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تنفيذ معاهدات واتفاقيات الأمم المتحدة ذات الصلة بالموضوع وقرارات مجلس الأمن بشأن غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التعاون بين الدول الأعضاء والمؤسسات الدولية لتعزيز الالتزام بالمعايير التي وضعتها مجموعة العمل المالي ولتحديد الموضوعات المتعلقة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب وتبادل الخبرات، اتخاذ إجراءات فعالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب".

كما حصلت تلك المجموعة في منتصف عام 2007 على صفة العضو المشارك في مجموع العمل المالي " الفاتف" وذلك تقديراً من مجموعة العمل المالي للجهود التي تبذلها دول المجموعة في مجال تطوير أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.


مشار إليه في كتابنا - ودراسة في ماهية ومخاطر جرائم غسل الأموال والاتجاهات الدولية لمكافحتها وبيان بخطط المصارف لمواجهة هذه الجرائم "للمحامي يونس عرب"–نشرت بمجلة البنوك بالأردن