غسل الأموال

غسل الأموال

يشرفني تناول الحديث عن جرائم غسل الأموال نشأتها وتطورها وسبل مواجهتها في منشورات مسلسلة :

الحلقة الأولى:

لقد ظهر غسل الأموال لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال العشرينات من القرن الماضي حيث لجأت عصابات المافيا إلى إنشاء محلات لغسل الملابس (laundering) وذلك من اجل إخفاء الأموال التي تحصلت عليها تلك العصابات بطريقة غير مشروعة من تجارة المخدرات بغية إخفاء المصدر الحقيقي لهذه الأموال المتحصلة من الاتجار في المخدرات وإظهار أن الدخل المتحصل من إيرادات الغسل والذي يخضع للضرائب مشروع, لذا قيل بأن الأرباح غير المشروعة من الاتجار في المخدرات قد تم غسلها.

ومن ثم فإن غسل الأموال يعد من الجرائم اللاحقة لأنشطة إجرامية سابقة حققت إيرادات مالية وذلك بإعادة استخدام تلك الأموال ، حيث يصعب على العصابات الإجرامية استخدام متحصلات جرائمهم بيسر لذا لجأت تلك العصابات إلى طريقة ومخرج للتعامل مع تلك المتحصلات الباهظة وذلك بإعادة ضخ تلك الأموال في مشروعات جديدة وإظهار إيراداتها بأنها متحصلة من أنشطة مشروعة.

ويعد غسل الأموال أظهر صور الفساد المالي والوظيفي من قبل بعض المسئولين خاصة في الدول النامية والتي أدت إلى وجود ثروات باهظة غير مشروعة تحتاج إلى إجراء غسل أموال عليها حتى يمكن لأصحابها إعادة استخدامها بعد إظهارها في صورة أموال مشروعة.

كما أظهر الواقع العملي وما صحب تطور جرائم الكمبيوتر والإنترنت أن العائدات المتحصلة من الأنشطة غير المشروعة ضخمة تقدر بالمليارات، ولذا فإن مرتكبي تلك الجرائم يجدوا صعوبة في التنعم بهذه الأموال لذا 


أصبح المخرج الوحيد لهم هو غسل هذه الأموال للتنعم بها بعد إظهارها 

بأنها متحصلة من أنشطة مشروعة ،لذا يعد غسل الأموال نشاط إجرامي منظم ترتكبه منظمات إجرامية متخصصة ، كما أصبحت من الجرائم عابرة الحدود .

وتعد جرائم غسل الأموال ( Money Laundering ) من اخطر الجرائم في هذا العصر، إذ أنها تهدد كيان المؤسسات المالية واقتصاديات الدول، وقد ارتبطت جرائم غسل الأموال بجرائم المخدرات نظراً لما تدره من مبالغ طائلة، وقد كان لذلك مبلغ الأثر عند إعداد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمبرمة بفيينا عام 1988 حيث ضمنت تلك الاتفاقية السبل والإجراءات لتكاتف المجتمع الدولي لمكافحة غسل الأموال.

إلا أن الواقع العملي"1" وما أظهرته الدراسات أوضحا أن جرائم المخدرات لم تصبح هي الوحيدة التي تدر أموال غير مشروعة بل تعددت صور الأنشطة الإجرامية التي تدر تلك العوائد الطائلة مثل الاتجار بالأسلحة والدعارة ، والفساد الإداري التي تفشت في الدول النامية سواء ما يتعلق منها بجرائم الرشوة أو الاختلاس أو تسهيل الاستيلاء على الأموال العامة خاصة أموال البنوك.

ونظراً لاهتمام المجتمع الدولي بظاهرة غسل الأموال فقد تم تشكيل مجموعة العمل المالي الدولية "الفاتف" سنة 1989 وذلك في أعقاب اجتماع

_______________________________________________

(1)"مشار إليه في شرح القانون المصري بشأن مكافحة المخدرات للدكتور حسام الدين محمد احمد ص 47 الطبعة الثانية 2003 دار النهضة العربية"


الدول الصناعية الكبرى في ذات العام، وقد باشرت اللجنة عملها بإصدار تقارير سنوية وتوصيات وعقد مؤتمرات لبحث أسس السياسة المالية

والرقابية لمواجهة غسل الأموال وأصدرت تلك المجموعة توصياتها الأربعين والتي تضمنت العديد من المسائل الموضوعية والإجرائية ووضع الأسس لمكافحة غسل الأموال.

كما قامت دول الاتحاد الأوروبي بإبرام اتفاقية ستراسبورج عام 1990 والتي تضمنت حصر الأفعال التي يجب تجريمها باعتبارها جرائم غسل أموال والجوانب الإجرائية التي تنظم إجراءات التحقيق والمحاكمة والتعاون فيما بين الدول الأطراف وذلك لتعقب وضبط ومصادرة العائدات المتحصلة من الجريمة وقد اتجهت الاتفاقية إلى توسيع نطاق الجريمة الأصلية والتي انصب فعل غسل الأموال على عائداتها بحيث لا تقتصر جرائم غسل الأموال على جرائم الاتجار في المخدرات.

وقد أصدرت لجنة تعاون الدول الأمريكية في مكافحة المخدرات والمنبثقة من منظمة الدول الأمريكية في عام 1993 اللائحة النموذجية لغسل الأموال ومصادرة الأصول، وقد أوصت الجمعية العامة لمنظمة الدول الأعضاء فيها بإتباع أحكام هذه اللائحة في تشريعاتها الوطنية وفي علاقتها المتصلة بغسل الأموال ومصادرة الأصول.

كما تأسست في بروكسل عام 1995 مجموعة أجمونت وهي تجمعاً يضم وحدات التحريات المالية وتشمل 107 دولة من بينها ست دول عربية هي مصر والبحرين وسوريا والإمارات العربية المتحدة وقطر ولبنان ويقع على عاتق هذه الوحدات معالجة البلاغات المتعلقة بالعمليات المالية التي يشتبه بأنها عمليات غسل أموال أو تمويل إرهاب، وتم تأسيس تلك

المجموعة بهدف تعزيز التعاون المشترك وتبادل المعلومات بين الوحدات المتخصصة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب "في البلدان المنضمة لتلك المجموعة ". 

ونظراً لخطورة جرائم غسل الأموال فقد تضمنتها أيضاً اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لعام 2000 وقد نصت الاتفاقية على تعريف "الجماعة الإجرامية المنظمة" بأنها جماعة ذات هيكل تنظيمي مؤلفة من ثلاثة أشخاص أو أكثر موجودة لفترة من الزمن وتعمل بصورة متضافرة بهدف ارتكاب واحدة أو أكثر من الجرائم الخطيرة أو الأفعال المجرمة وفقاً لما تضمنته الاتفاقية وذلك من أجل الحصول بشكل مباشر أو غير مباشر على منفعة مالية أو منفعة مادية أخرى، وقد تضمنت الاتفاقية النص على تجريم غسل الأموال المتحصلة من أي جريمة ولم تقصره على جرائم المخدرات.

وقد عقد بمملكة البحرين بتاريخ 30/11/2004 اجتماع وزاري لمناقشة إنشاء مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من اجل مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ، حيث قررت حكومات (14) دولة عربية تسمية المجموعة " مينافاتف" لكي تعمل على غرار مجموعة العمل المالي"فاتف"وتم الاتفاق على أن تكون دولة المقر لهذه المجموعة هي مملكة البحرين، ثم انضمت ثلاثة دول أخرى لهذه المجموعة وأصبحت الدول الأعضاء (17) دولة عربية هي ( الأردن، الإمارات، البحرين، تونس، الجزائر، السعودية، السودان، سوريا، العراق، سلطنة عمان، قطر، الكويت، لبنان، مصر، المغرب، موريتانيا، اليمن)، ومن أهداف تلك المجموعة "تبني وتنفيذ التوصيات الأربعين لمجموعة العمل المالي حول 


مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تنفيذ معاهدات واتفاقيات الأمم المتحدة ذات الصلة بالموضوع وقرارات مجلس الأمن بشأن غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التعاون بين الدول الأعضاء والمؤسسات الدولية لتعزيز الالتزام بالمعايير التي وضعتها مجموعة العمل المالي ولتحديد الموضوعات المتعلقة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب وتبادل الخبرات، اتخاذ إجراءات فعالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب".

وقد باشرت تلك المجموعة عملها وعقدت العديد من الاجتماعات المشتركة للوقوف على مدى التزام الدول الأعضاء بالمعايير الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وخلال الاجتماع الثالث لمجموعة العمل المالي "فاتف" في دورته الثامنة عشر والتي عقدت في مقر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بباريس خلال الفترة من 27 إلى 29/6/2007 تمت الموافقة على الطلب المقدم من مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا "ميني فاتف" للحصول على صفة العضو المشارك وذلك تقديراً من مجموعة العمل المالي "الفاتف" للجهود التي تبذلها دول المجموعة في مجال تطوير أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتمنح صفة العضو المشارك بأن يشارك خمساً من الدول الأعضاء في المجموعة في حضور الاجتماعات العامة لمجموعة العمل المالي "الفاتف" والمشاركة في أعمالها.

كما تضمنت التوصيات الصادرة عن فرق العمل الأربعة المنبثقة عن المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب والذي عقد بمدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من 5 إلى 8 فبراير 2005بمشاركة عدة دول عربية وأجنبية السبل اللازمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومن أهم تلك التوصيات:

– تشجيع البلدان على التنفيذ الكامل للمعايير الدولية الحالية لمكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب لاسيما فريق العمل المالي المعني بتوصيات (9+40) ومعاهدات الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالإضافة إلى أفضل الممارسات لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب من خلال:

-تعزيز جهود صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في مكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب.

-تشجيع البلدان التي لا تخضع للتقييم المشترك لفريق العمل المالي أو الأجهزة الإقليمية لفريق العمل المالي للتطوع للتقييم بواسطة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

-تشجيع كافة البلدان لتطوير وحدات الاستخبارات المالية التي تستجيب لتعريف ومعايير مجموعة إجمونت (Egmont) وانضمام هذه الوحدات إلى مجموعة إجمونت لتبادل الخبرات والتجارب والمعلومات العملية.

-يطلب من الأمم المتحدة العمل مع الأجهزة الإقليمية لفريق العمل المالي للمزيد من التطوير للمعايير الدولية لضمان قيام المنظمات الخيرية والإنسانية غير الربحية بدورها في تنظيم عملياتها، وكذلك من خلال منعها من استخدامها في أنشطة غير مشروعة. 

- العمل على ضمان تدفق المعلومات بين أجهزة إنفاذ القانون ذات الصلة, الأمن الوطني ووكالات الاستخبارات التي تضطلع بمسؤوليات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بالإضافة إلى كفالة التعاون بين الوكالات على أفضل نطاق ممكن على أسس ثنائية وإقليمية ودولية. 

- زيادة التعاون على المستوى الوطني والثنائي والتنسيق بين أجهزة مكافحة الإرهاب وغسل الأموال والاتجار بالأسلحة والمتفجرات وتهريب المخدرات ودعم تبادل الخبرات والتجارب، وذلك عبر التدريب لضمان الفعالية في محاربة الإرهابيين والجريمة المنظمة.

-سن القوانين لمحاربة تهريب الأسلحة والمخدرات وغسل الأموال والرفع من قدرات هيئات انفاذ القانون (بما في ذلك السلطات القضائية) لتطبيق هذه القوانين.

-تشجيع إنشاء أجهزة محلية خاصة لإدارة الأصول المصادرة والمستولى عليها, والأموال الناتجة عن غسل الأموال, وتمويل الإرهاب, وتهريب الأسلحة والمخدرات والجريمة المنظمة،إذ يمكن استخدام هذه الأموال في تعزيز الوسائل المخصصة لمكافحة كافة أشكال الجريمة، فضلا عن تعويض ومساعدة ضحايا الإرهاب.

-تشجيع البلدان على إجراء دراسة جدوى تنفيذ نظام جمع وتحليل المعلومات من قبل وحدات الاستخبارات المالية للتحويلات المالية البرقية الدولية، لتسهيل كشف المعاملات أو الأنماط التي قد تشير لغسل الأموال وتمويل الإرهاب.

المراجع: شرح القانون المصري بشأن مكافحة المخدرات للدكتور حسام الدين محمد احمد ص 47 الطبعة الثانية 2003 دار النهضة العربية"

ومشار إليه في كتابنا حظر ومكافحة غـسـل الأمـوال والنقل غير المشروع للأموال عبر الحدود في التشريعات العربية ( البحرين- مصر- الأردن- قطر- الإمارات)

للمستشار أسامة عبد المنعم علي إبراهيم - رئيس محكمة الاستئناف بمصر سابقاً

الطبعة الأولى سنة 2009